عن تسييل المفاهيم: نص متحامل على عدنان إبراهيم

فادي فنّون١١ أكتوبر ٢٠٢٦مدة القراءة: ٥ دقائق
عن تسييل المفاهيم: نص متحامل على عدنان إبراهيم

الفكر المقاوم لا ينحصر في مقاومة المحتل، وعلى وجه الخصوص العدمية الصهيونية الآن في فلسطين، بل يتسع لمقاومة كل أنواع السيطرة الممنهجة: سيطرة الأيدولوجيات الرأسمالية والنفطية والإعلامية وكذلك الدينية المؤسساتية. فرحتُ بالتعرف على عدنان إبراهيم عام 2011، مثّل ما يشبه المُجدد، ليس للخطاب الديني فحسب، بل للفكر الديني بأكمله. ووجود مثال حي على عالم دين قادر على التفكير الشبكي بما يشبه العصر ومتطلباته. كان بمثابة الصدمة التي رأيت أننا بحاجة إليها كشعوب مؤمنة، لنتجاوز حقبة السلفية.

..

..

..

..

..

..

..

..

..

..

..

..

..

هذا الفراغ المتعمد، يشبه غياب أصحاب المنابر فجأة عن الساحة حينما حمي الوطيس. أو كالذي يغيب عن البيت لسنوات ثم يرجع فيرى زوجته تنوح وتصرخ. ويقول: أرنب.

لا أريد أن أعدد هنا محطات ومواقف ترجمتُها أنا، برأيي الشخصي، كسقطات عدنانية. كتراجعه عن ثورية خطابه بدعوى حقن دماء المسلمين بدلاً من تطويرها بذكاء، واصطفافه خلف الإبراهيمية بدعوى التسامح. ربما يجوز لها أن تظل تحت المظلة المتسعة التي تُسمى الإنسانية والاختلاف. لكن أن تؤدي هذه القفزات إلى خيبة أمل فلسطينية، بما كان من المنتظر من الرجل أن يمثله، أي غزة...

حينما يساوي عدنان إبراهيم بين المُحتل وبين المسلوب الإرادة في مسؤوليتهما تجاه المذبحة الحاصلة في غزة، فهذا لا بد وأن يتجاوز خيبة الأمل إلى التشكيك فيما جلبته الفلسفة والمعرفة والعلم إليه. أي فلسفة تؤدي بصاحبها إلى أن يصف الصهيونية وحركات التحرر الفلسطينية بأصوليتين متساويتين ذبحتا أهل غزة؟

في لقائه عبر سكاي نيوز العربية، وفي نهاية اللقاء، تأتي غزة كأنها في معرض الحديث وهامشه. تقول المذيعة: "ونحن في الدقائق الأخيرة، لا بد أن نتحدث عن غزة"، وهذا التهميش وحده يكشف عن أولويات مقلوبة. فكل ما تحدث به عدنان إبراهيم عن التسامح والتشدد الديني يصبح حقاً "فعلاً بربرياً" أمام شلالات الدم الهادرة في غزة.

نعود للمقابلة، فيعلق عدنان إبراهيم بعد ذلك مباشرة واصفاً المشهد: "الجرح النازف المفتوح". أهكذا يوصف ما يحدث؟ جرح نازف؟ كأن الأمر حادث طبيعي أو مرض مزمن وليس إبادة ممنهجة. تستدرك المذيعة بسؤال وسائل الإعلام المعتاد: "من يتحمل مسؤولية ما جرى؟" وطبعاً أي شخص عادي، فضلاً عن أن يكون الكوميدي - الأكثر من مثقف في التاريخ الفلسطيني - باسم يوسف، قادر على إعطاء إجابة أكثر مصداقية مع الواقع من تلك التي أجاب بها إبراهيم: "الأصوليون، على الطرفين".

على الطرفين؟ حقاً؟

أتخيل "دواميش" يسمعك، ثم يمزق خطابه الأخير: ألهذا تركنا أرضنا؟ وهذا استدعاء حقير مني. لا أجرؤ أن أستحضر أصغر طفل فلسطيني قُتل ليكتشف - حسب الخطاب الإبراهيمي - أنه يتشارك مسؤولية قتله. والأقل إزعاجاً في كل هذه الإبادات والتشويهات، المسميات: "إسرائيل" و"البيت الإبراهيمي". في المقابلة نفسها، يقدم إبراهيم ادعاءً مفاده ونصه: "معظم أنهار الدماء التي سالت عبر التاريخ عبر القرون، سالت للأسف بأسباب دينية ولأسباب دينية ونزاعات دينية أو تدينية للأسف الشديد". لو أن هذا التصريح كان في غير سياق المذبحة، وبحكم اطلاعي الكبير على خطب ودروس إبراهيم، لفهمته بوجه آخر. لكن في الوقت الراهن، يصبح هذا القول محاولة لإلقاء المسؤولية على "الأديان بالتساوي"، وكأن مقاومة الاحتلال "نزاع ديني" مثله مثل الإبادة الصهيونية.

كما أن هذا الادعاء منقوص ومتغافل. فمعظم المذابح الكبيرة في التاريخ الحديث (الحربان العالميتان، ستالين، ماو، بول بوت، رواندا، الهولوكوست) حصلت على خلفيات قومية أو أيديولوجية أو عرقية، لا دينية. لكن إبراهيم يستخدم هذا التعميم المغلوط ليبرر موقفه من غزة كنزاع ديني أصولي يتحمل فيه الطرفان المسؤولية.

يبرع إبراهيم في تشبيك المجالات والمعرفة واستحضار الحجج الدينية والفلسفية والعلمية. وحقا كاد أن يكون مشروع "عالم موسوعي" لولا تخليه

لعل إبراهيم فهم من الفلسفة ما لا يفيد. وأن النعومة والتسامح الأبله طريق معبد إلى المدينة الفاضلة كما يتخيلها. لم يفهم أن الفلسفة بذاتها فعل مقاومة للجمود والسيطرة، ولا ينبغي أن تظل في برج عاجي تنظّر على الناس دون أن تعي مشاكلهم الحقيقية، فضلاً عن أن تفرق بين الحق الفطري، والإبادة.

يتهمه البعض بالارتماء في حضن الإمارات وأموال النفط الخليجية. لا نمتلك دليلاً ملموساً. وليختر الحضن الذي يحب، لكن دون تنظير وادعاء. وإن كان خوفاً وتهديداً، فلو بقي مختفياً أفضل. لكن نمتلك "سلوكاً" موثقاً، ولا دخل لنا في النوايا. سلوكاً يعبر عن تراجع مبادئي، وتناقض في المواقف. ولاعتباراته الكثيرة - فلسطيني، رجل دين، مفكر، مطلع على الفلسفة والتاريخ وكيف تعمل الجدلية التاريخية - كان أقل الإيمان أن يصف المشهد كما هو عليه، فضلاً عن أن يشير صراحة بإصبع الاتهام إلى الصهيونية والاستعمارية الغربية.

قد يرى البعض أن هذا النقد غير موضوعي، بلغته المشحونة والمتحاملة - وهي كذلك، ويرون في موازنة عدنان إبراهيم لمسؤولية المذبحة موضوعية حداثية مطلوبة. لنلعن الموضوعية إذاً وكل المنطق اليوناني إذا كان يعرض هذه المسألة كمسألة قابلة للتبرير أو المساومة. أي منطق قاده إلى أن من يقاوم العنف والمحو بأي طريقة كانت، يشترك مع المجرم في المسؤولية؟ أإلى هذا أوصله "الاستنتاج المنطقي" أم هو الدين الإبراهيمي الجديد؟ هذه خيانة أخلاقية وفطرية صارخة قبل أن تكون خيانة دينية. هناك مواقف في التاريخ لا تحتمل التوازن المزعوم، ولا تقبل اللعب على الحبال.

لعلنا في النهاية لا نحتاج إلى رجال دين جدد، ربما نحتاج إلى "رجال" جدد يفهمون الدين كما نفهمه، نحن الناس العاديون - ديناً يقف مع المظلوم ضد الظالم دون مواربة. ماذا ستحقق من البحث في عمر عائشة حينما تزوجت، بينما فتيات غزة يُحرقن أمام الغرب الذي يعترض على عمر عائشة حينما تزوجت؟ الدين الحقيقي هو الذي يحمي الطفولة المعاصرة، لا الذي يتشاحن حول طفولة التاريخ بينما أطفال اليوم يموتون.

عن تسييل المفاهيم: نص متحامل على عدنان إبراهيم | مكعب النمل